فخر الدين الرازي
438
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المعروف ، وعلى هذا فقد قيل : إن أرواح أهل الجنة لا تخرج من الدنيا إلا ويؤتى إليهم بريحان من الجنة يشمونه ، وقيل : إن المراد هاهنا غير ذلك وهو الخلود ، وقيل : هو رضاء اللَّه تعالى عنهم فإذا قلنا : الروح هو الرحمة فالآية كقوله تعالى : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ [ التوبة : 21 ] وأما : جَنَّةُ نَعِيمٍ فقد تقدم القول فيها عند تفسير السابقين في قوله : أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [ الواقعة : 11 ، 12 ] وذكرنا فائدة التعريف هناك وفائدة التنكير هاهنا . المسألة الرابعة : ذكر في حق المقربين أمورا ثلاثة هاهنا وفي قوله تعالى : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ [ التوبة : 21 ] وذلك لأنهم أتوا بأمور ثلاثة وهي : عقيدة حقة وكلمة طيبة وأعمال حسنة ، فالقلب واللسان والجوارح كلها كانت مرتبة برحمة اللَّه على عقيدته ، وكل من له عقيدة حقة يرحمه اللَّه ويرزقه اللَّه دائما وعلى الكلمة الطيبة وهي كلمة الشهادة ، وكل من قال : لا إله إلا اللَّه فله رزق كريم والجنة له على أعماله الصالحة ، قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ التوبة : 111 ] وقال : وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى [ النازعات : 40 ، 41 ] فإن قيل : فعلى هذا من أتى بالعقيدة / الحقة ، ولم يأت بالكلمة الطيبة ينبغي أن يكون من أهل الرحمة ولا يرحم اللَّه إلا من قال : لا إله إلا اللَّه ، نقول : من كانت عقيدته حقة ، لا بد وأن يأتي بالقول الطيب فإن لم يسمع لا يحكم به ، لأن العقيدة لا اطلاع لنا عليها فالقول دليل لنا ، وأما اللَّه تعالى فهو عالم الأسرار ، ولهذا ورد في الأخبار أن من الناس من يدفن في مقابر الكفار ويحشر مع المؤمنين ، ومنهم من يدفن في مقابر المسلمين ويحشر مع الكفار لا يقال : إن من لا يعمل الأعمال الصالحة لا تكون له الجنة على ما ذكرت ، لأنا نقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن عقيدته الحقة وكلمته الطيبة لا يتركانه بلا عمل ، فهذا أمر غير واقع وفرض غير جائز وثانيهما : أنا نقول من حيث الجزاء ، وأما من قال : لا إله إلا اللَّه فيدخل الجنة ، وإن لم يعمل عملا لا على وجه الجزاء بل بمحض فضل اللَّه من غير جزاء ، وإن كان الجزاء أيضا من الفضل لكن من الفضل ما يكون كالصدقة المبتدأة ، ومن الفضل مالا كما يعطي الملك الكريم آخر والمهدي إليه غير ملك لا يستحق هديته ولا رزقه . ثم قال تعالى : [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 90 إلى 91 ] وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ ( 90 ) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ ( 91 ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في السلام وفيه وجوه أولها : يسلم به صاحب اليمين على صاحب اليمين ، كما قال تعالى من قبل : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً [ الواقعة : 25 ، 26 ] ، ثانيها : فَسَلامٌ لَكَ أي سلامة لك من أمر خاف قلبك منه فإنه في أعلى المراتب ، وهذا كما يقال لمن تعلق قلبه بولده الغائب عنه ، إذا كان يخدم عند كريم ، يقول له : كن فارغا من جانب ولدك فإنه في راحة . ثالثها : أن هذه الجملة تفيد عظمة حالهم كما يقال : فلان ناهيك به ، وحسبك أنه فلان ، إشارة إلى أنه ممدوح فوق الفضل . المسألة الثانية : الخطاب بقوله : لَكَ مع من ؟ نقول : قد ظهر بعض ذلك فنقول : يحتمل أن يكون المراد من الكلام النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، وحينئذ فيه وجه وهو ما ذكرنا أن ذلك تسلية لقلب النبي صلى اللَّه عليه وسلم فإنهم غير محتاجين